_12 _أكتوبر _2017 AH   الموافق 12 أكتوبر, 2017 غير مصنف. 2218 مشاهده

خمسة الوالد وخمسين الوالدة

أ . د / صالح بن علي أبو عرَّاد
@abuarrad
أستاذ التربية الإسلامية بكلية التربية في جامعة الملك خالد


الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد :
فنعلم جميعاً أن كل إنسانٍ منّا مجبولٌ على حب الخير والرغبة فيه ، وهذا أمرٌ فطريٌ أخبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى عن الإنسان : { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } ( سورة العاديات : الآية رقم 8 ) ؛ وإن كان كثيرٌ من المفسـرين قد أجمعوا أن المقصود بالخير في هذه الآية يتمثل في ( الـمـال ) ، إلاّ أن الدلالة في الآية الكريمة تنسحب على الخير كله بشتى أنواعه وألوانه .
ومن الطبيعي بعد ذلك أن يُحب الإنسان الاستزادة من الخير أياً كان نوعه ، وأن يجتهد في ذلك الشأن ويحرص عليه ، مع أنه لا يعلم الغيب ولا يدري فيم يكون الخير الذي يريده ويطمع فيه ويسعى لتحصيله .
وهنا أورد للإخوة القراء ما أخبرني به أحد الزملاء عن موقفٍ طريفٍ حصل له في صغره ، وأن ذلك الموقف كان بمثابة ( الدرس التربوي ) الذي تعلم منه الكثير في حياته ، ولاسيمـا أنه يتفق في دلالته ومعناه مع ما يتردد على الألسُـن من مقولاتٍ يأتي من أبرزها قولـهم : ( قليلٌ يُسعدك خيرٌ من كثيرٍ يُشقيك ) ، وقولهم : ( قليلٍ يهنيك ، ولا كثيرٍ يعنيك ) ، ونحو ذلك من العبارات التي يتمثل المعنى الإجمالي لها في أن العبرة ليست بالكم والكثرة ، ولكنها في الكيف والنوعية .
وفي وصفه لهذا الموقف يقول : عندما كنت أدرس في مراحل التعليم العام كنت متفوقاً على زملائي في الفصل ، وكنت أحصل على أعلى الدرجات بينهم , ولذلك فعندما كانت تعلن نتائج الامتحانات النهائية وأحصل على اشعار النتيجة ؛ فإنني انطلق به الى البيت مسرعاً لأُبشـر أهلي بنجاحي وتفوقي ؛ فكان والدي يعطيني جائزة النجاح ( الثابتة ) التي لا تتغير ، والتي تتمثل في مبلغ ( خمسة ) ريالات فقط , أما والدتي فقد كانت تعطيني ( خمسين ) ريالاً ، وعلى الرغم من الفارق الكبير بين العطيتين ، إلا أنني اكتشفت بعد ذلك أن خمسة الوالد كانت أبرك وأحسن وأفضل من خمسين الوالدة ؛ فقد كان والدي يعطيني تلك الريالات الخمسة ويترك لي حرية التصـرف والاستمتاع بها ، أما والدتي فقد كانت تعطيني الخمسين ريالاً ولكنها تحذرني من المساس بها أو التصرف فيها ، ولا تسمح لي سوى بالخروج بها بعض الوقت مع رفاقي لأريهم دون أن أخرجها من جيبي ، ثم العودة السـريعة الى البيت لتستردها بدعوى أنها سوف تحفظها لي إلى وقت الحاجة .
وهكذا مرّت الأيام دون أن أجد لتلك الخمسين أثراً في حياتي ، فعلمتُ بعد حين أن قليل العطاء قد يكون أنفع وأجدى وأبرك من كثيره ، وأن ما يصل الإنسان نفعُه وفائدته خيرٌ له وإن كان قليلاً مما لا يُفيد منه ولا ينتفع به وإن كان كثيراً ، بل إنه ربما كان مسؤولاً عنه ومحاسباً عليه ، وهنا تكون الطامة الكبرى ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم .
وختاماً : أسأل الله تعالى أن يُبارك لنا فيمـا وهبنا وأعطانا وإن كان قليلاً وأن يرضينا به ، وأن يرزقنا القناعة بمـا قسم لنا من فضله ، والحمد لله رب العالمين .